أبي منصور الماتريدي
164
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويحتمل أن يكون قوله : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أي : أخبر المؤمنين أني معكم بما ذكرنا من النصر والمعونة والدفع . وقوله - عزّ وجل - : فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا . أمر ملائكته أن يثبتوا الذين آمنوا بالنصر لهم والأمن ، بعد ما كانوا خائفين فشلين جبنين لما أجابوا ربهم ، مع ضعف أبدانهم ، وقلة عددهم ، فأبدلهم الله مكان الخوف لهم أمنا ، ومكان الضعف القوة والنصر ، ومكان الذل العز ، وأبدل المشركين مكان الأمن لهم خوفا ، ومكان العز الذل ، ومكان الكثرة الضعف والفشل ؛ فذلك - والله أعلم - [ قوله ] « 1 » : سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ . وقوله : فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا . جائز أن يكون نفس نزول الملائكة تثبيتهم ؛ لأنهم سبب تثبيتهم ، [ أو ثبتهم ] « 2 » من غير أن علم المؤمنون بهم . وقوله - عزّ وجل - : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ . قال قائلون : قوله : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ إذا ظفروا بهم ووقعوا في أيديهم ، فعند ذلك يضرب فوق الأعناق ، وهو الفصل الذي يبين الرأس بالضرب ؛ لما نهى عن المثلة « 3 » ، وفي الضرب في غير ذلك مثلة . ويحتمل قوله : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ ، أي : اضربوا الأعناق وما فوق الأعناق . وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ معناه - والله أعلم - أي : اضربوا على ما تهيأ لكم من الأطراف « 4 » وغيرها . وأما قوله : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ في الحرب ؛ لأنه لا سبيل في الحرب إلى أن يضرب ضربا لا يكون مثلة ؛ فكأنه قال : فاضربوا فوق الأعناق إذا قدرتم عليهم ووقعوا في أيديكم ، وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [ كيفما تقدرون ] « 5 » ، وحيثما تقدرون ، والله أعلم .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 2474 ) عن عبد الله بن يزيد قال : نهي النبي صلى اللّه عليه وسلم عن النّهبى والمثلة . والمثلة : يقال : مثلت بالحيوان ، أمثل به مثلا : إذا قطعت أطرافه وشوهت به ، ومثلت بالقتيل ، إذا جدعت أنفه ، أو أذنه ، أو مذاكيره ، أو شيئا من أطرافه ، والاسم : المثلة . فأما مثّل ، بالتشديد ، فهو للمبالغة . ينظر : النهاية في غريب الحديث ( 4 / 294 ) . ( 4 ) في أ : أطراف . ( 5 ) سقط في ب .